الأربعاء، 29 مايو، 2013

مواقع الإعلام والتوجيه: تعددت المواقع والإعلام واحد


بقلم: نهاري امبارك
مقدمة:
يعتبر الإعلام المدرسي والمهني أحد المكونات الأساسية للتوجيه التربوي ، كما يعتبر عملية تربوية تتجلى في مد التلميذ بمعلومات حول نفسه ووسطه المدرسي والمهني،
ودراسة وتحليل التغذية الراجعة المترتبة عنها، من أجل معرفة التلميذ لنفسه ومعرفته لمحيطه المدرسي والمهني والاجتماعي والاقتصادي والثقافي. كما يعتبر العمود الفقري للتوجيه التربوي، وجزء لا يتجزأ من نظام التربية والتكوين. من هذا المنطلق، فالإعلام المدرسي والمهني  سيرورة متواصلة ومستمرة في الزمان والمكان، يواكب المسار الدراسي للتلميذ خلال  جميع المستويات التعليمية، وخصوصا منها الثانوية والجامعية. كما أنه عملية تربوية تصاحب النمو الفكري والجسمي للتلميذ، وتسير به إلى أعلى درجات النضج الفكري والمهني من خلال المعلومات المتواصلة والمكثفة التي يتزود بها، حيث يسهم بشكل إيجابي في تحسين نوع الأنشطة التربوية والمردودية المدرسية كما ونوعا. فالإعلام المدرسي والمهني، إذن، وسيلة تسهم في مساعدة التلميذ على التحكم في مختلف الوضعيات من أجل تحقيق الأهداف التي يرسمها لنفسه. كما تمكن التلميذ من اتخاذ قرارات شخصية حرة وواعية، استنادا إلى المعلومات التي يتوفر عليها ويتوصل بها تدريجيا خلال مساره الدراسي، استجابة لطلباته وطموحاته ورغباته الشخصية.
وتختلف طرائق تزويد التلاميذ بالمعلومات حول مختلف أنواع الشعب المدرسية والتكوينية والتخصصات المهنية  والمسالك الجامعية باختلاف البنية التربوية لكل مؤسسة تعليمية وفضاءاتها ومرافقها التربوية وأعداد التلاميذ والوسائل المتوفرة، وذلك باعتماد دعائم إعلامية من كتيبات وكراسات ومطويات وملصقات إلى تنظيم لقاءات جماعية وخطابات شفوية تتناول مواضيع متعددة بتعدد حاجيات التلاميذ على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إذ الإعلام يرتبط بذات التلميذ ومحيطه المدرسي والمهني في علاقته بوضعه الأسري والاجتماعي. من هذه المنطلقات فالإعلام المدرسي والمهني والجامعي ليس إخبارا بوضع ما أو حدث طارئ في زمان ومكان محددين.
وقد تدخلت في عملية الإعلام المدرسي والمهني، التي تعتبر عملية تربوية، والتي يجب أن تتوفر فيها شروط ومعايير الفعل التربوي حتى تفي بالأغراض المنتظرة منها نفسيا وتربويا، تدخلت وسائل أخرى موازية من مجلات وصحف وجرائد ومحطات إذاعية وتلفزية ومواقع متعددة على الشبكة العنكبوتية. وقد أضحت مؤخرا جميع الوثائق والدعائم الإعلامية الموزعة على التلاميذ، سواء بالمؤسسات التعليمية، أو خلال التظاهرات والأيام الإعلامية والأبواب المفتوحة المنظمة من طرف بعض الجهات، أضحت تحمل سلسلة من عناوين مواقع على الشبكة العنكبوتية، تحت يافطة: «مواقع متخصصة في الإعلام والتوجيه».
¨     فما هي المحتويات الإعلامية والمضامين التي تقدمها هذه المواقع إلى التلاميذ؟
¨     وكيف تعرض هذه المواقع المعلومة على التلاميذ؟
¨     وكيف يتعامل التلاميذ مع هذه المواقع؟
¨     وما هي الآثار النفسية والتربوية لتعدد هذه المواقع على التلاميذ؟
¨     وما هي الطرق الأنجع لتقديم المعلومات إلى التلاميذ من أجل مساعدتهم على التوجيه؟
بالرغم من أن الإشكالية المطروحة تبدو مركبة الأجزاء ومتعددة الأبعاد النفسية والتربوية والثقافية، سنحاول مناولتها، قدر المستطاع، من مختلف جوانبها التقنية والمعرفية والتربوية ووقعها النفسي على التلاميذ والطلبة، مع تقديم بعض الخلاصات والمقترحات المتواضعة من أجل الإسهام في تطوير وتحسين عملية الإعلام المدرسي والمهني وجعلها فعلا تربويا يستجيب لحاجيات التلاميذ النفسية والتربوية، ويسهم في بناء وبلورة شخصيتهم وإعدادهم للحياة العملية مؤهلين معرفيا ومهنيا.
فمنذ مدة زمنية غير يسيرة تكاثرت وتعددت، إضافة إلى بعض مواقع وزارة التربية الوطنية، تعددت المواقع المتخصصة في الإعلام والتوجيه المدرسي والمهني، وتكاثرت بشكل مضطرد، فتنوعت أسماؤها واتخذت أشكالا حسب طبيعتها وأهدافها ومقاصدها وخطها التحريري، من تقديم أخبار متنوعة ومستجدات في عدة ميادين، إلى عرض مقالات ومواضيع تختلف باختلاف المجالات والقطاعات.
 إن المطلع على صفحات هذه المواقع يسجل بجلاء تطابق شكلها هندسة وبنية، انطلاقا من الصفحة الرئيسية إلى مختلف المكونات والأركان، كما تتطابق المعلومة المعروضة هدفا وقصدا، لكنها غالبا ما تختلف مصطلحات وصيغا، ما يؤدي بالزائر/التلميذ(ة) إلى طرح عدة تساؤلات تحت وطأة الارتباك جراء ملامسته لبسا وغموضا يعتري إعلانا في شكل خبر، قد يؤدي به إلى الشك والحيرة، ما يحدث لديه نشازا وتنافرا معرفيين قد يؤديا به إلى حالات تردد مستمرة تبعده عن الحسم واتخاذ القرار.
وفي أغلب الأحيان، تنفرد بعض المواقع بالسبق لبعض الإعلانات، وبعضها يتأخر عن الموعد، ثم سرعان ما يكتسح نفس الإعلان عدة مواقع، فيلجأ التلاميذ، متعطشين للمستجدات، يلجأون إلى الإبحار في هذه المواقع، يطلعون ويقارنون، متصلين في ما بينهم، وطارحين أسئلتهم على إطار التوجيه التربوي، الذي قد يكون ليس على علم بالحدث أو بالأحداث، حيث المذكرات التنظيمية لازالت لم تصدر بعد، والتي يجب انتظارها لاعتمادها في الحسم واتخاذ قرار موحد من إجراء فعل تربوي وتنفيذ مقتضيات رسمية، استنادا إلى طرائق ومناهج تربوية.
وحيث إن الإعلام المدرسي والمهني ليس إخبارا أو دعاية وإشهارا، وإنما يعتبر نشاطا تربويا تطبعه خصوصيات وخصائص مميزة، من شأنه إيقاظ لدى التلميذ مجموعة أفكار حول مشروعه الشخصي والمهني من أجل الاندماج في محيط متغير ومعقد اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.
والإعلام المدرسي والمهني يعتبر أحد الوسائل والأدوات المساهمة في تحسين نوعية أنشطة التربية والتكوين والارتقاء بالمردودية الداخلية للنظام التعليمي والتكويني، حتى يفي بالأهداف المنتظرة منه كفعل تربوي، الغرض منه إنضاج شخصية المتعلم وصقل مداركه وتعلماته، والسير به تدريجيا نحو إصدار أحكام موضوعية، بناء على مواقف شخصية واقعية تمكنه من اتخاذ قرارات واعية، تناسب خصوصياته الشخصية، وتستجيب للأهداف التي يرسمها لنفسه.
إن قراءة خبر حول إعلان عن مباراة أو حدث مدرسي على مواقع متعددة وبصيغ مختلفة، من شأنه أن يربك التلميذ من شدة إحساسه بغموض قد يلف الإعلان أو تناقض محتواه شكلا ومضمونا، حيث الإخبار ليس إعلاما مدرسيا ومهنيا، إذ قد لا تتوفر فيه أغلب مبادئ الفعل التربوي، من مدى صياغته بلغة مألوفة لدى المتعلمين ومداولته  في ما بينهم وفي محيطهم المدرسي والثقافي، إلى مدى ملاءمة مضمونه الإعلامي لاهتمامات التلاميذ واستجابته لتطلعاتهم وطموحاتهم الدراسية والمهنية، إلى مدى تناسبه ومستوياتهم المعرفية والعقلية، الأمر الذي قد لا يسهم في إثارة عنصر التشويق لدى التلاميذ وجلب انتباههم وتقوية تركيزهم على القضايا التي تهدف إلى تنمية ميولاتهم واهتماماتهم، وتلبي حاجاتهم ورغباتهم الدراسية والمهنية.
إن تعدد مواقع الإعلام المدرسي والمهني، إضافة إلى مواقع المؤسسات الجامعية والمكونة،  تجعل التلميذ يكون فكرة التمايز والتميز حول هذه المواقع، فيسارع إلى زيارتها والانغماس في صفحاتها، والانتقال من موقع إلى آخر متلهفا لمستجد قد يشفي غليله ويستجيب لرغباته، يقرأ الإعلانات المختلفة تحت وطأة الارتباك وضغط  الدروس التي تتراكم، والإحساس بوقع الامتحانات، ومرور الوقت نحو مواعد محددة.
في هذه الظروف، يجد التلميذ نفسه تتقاذفه أمواج صفحات متنوعة على مواقع متعددة، فيصاب بالملل وقد ينال منه الإحباط مناله، فإما يتسلح بالعزيمة والصبر والتضحية ويستمر، وإما يستسلم ويفوض الأمر لأولياء أمره الذين يعانون مشاق البحث في المواقع عن قضايا ليس لهم بها أي صلة، أو يقومون باتصالات مع أطراف وجهات، وهم غير متمكنين من مواضيع اتصالاتهم، أو غير عارفين إياها.
إن الإعلام المدرسي والمهني شأن شخصي ومشخصن، لكن، وفي ذات الآن، لا يعتبر فعلا أحادي الجانب، وليس تواصلا فوقيا أو خطابا عموديا من طرف عارف يمتلك المعلومة ويمليها أو يلقيها على طرف آخر يستقبلها بشكل سلبي غير متفاعل، حيث مرسل الخطاب عليه معرفة المرسل إليه نفسيا وتربويا. من هنا فالإعلام المدرسي والمهني يهم التلميذ ذاته  ويهدف إلى تهذيب ميولاته واهتماماته وشحذها وتربية مواقفه وسلوكاته لتمكينه من تحقيق نضجه الفكري والنفسي حتى يعالج مختلف الوضعيات بالاعتماد على قدراته الشخصية ويتجاوب مع متطلبات الحياة المدرسية والمهنية متكفلا بنفسه ومتحملا مسؤوليات توجيهه المدرسي والمهني.
وعليه، إذا كان انفتاح الفرد يتم عبر تحقيق تطلعاته ورغباته من خلال اهتماماته الأكثر توافقا لقدراته المعرفية وميولاته الشخصية والحياة العملية، أحد أهداف التوجيه التربوي، فإن الإعلام المدرسي والمهني يعتبر الوسيلة الناجعة والفعالة لتحقيق ذلك، حيث الأنشطة الإعلامية سيرورة تربوية وجزء لا يتجزأ من التوجيه التربوي. لذلك فالإعلام المدرسي والمهني لا يحقق الأهداف المنتظرة منه إلا بدمجه ضمن المقررات الدراسية، إزاء مجموعة من مقاربات التوجيه التربوي، وتصريف مضامينه عبر الحصص الدراسية وبشكل ممنهج، يسهر عليها مدرسو مختلف المواد المقررة، من أجل تحفيز التلاميذ على البحث الشخصي والاستعلام واستثمار المعلومة وفق الأهداف التي يرسمونها لأنفسهم.
إن هذه الطرائق التربوية والبيداغوجية التفاعلية لإنجاز أنشطة الإعلام المدرسي والمهني، من شأنها أن تشكل، في اعتقادنا، لدى التلاميذ، مواقف متجددة تؤدي إلى تنمية قدراتهم، وإثارة اهتماماتهم وترسيخ القيم المجتمعية على اختلاف مجالاتها وتنوعها. فالإعلام المدرسي والمهني إذن، يعتبر نشاطا تربويا بيداغوجيا حقيقيا بامتياز ذا مكون سيكولوجي ونفسي يؤثر في الفرد نفسيا وتربويا.
لهذه الاعتبارات، وحتى يفي الإعلام المدرسي والمهني بأدواره ووظائفه التربوية الموكولة إليه كأنشطة تربوية يتم إنجازها وفق الطرائق والبرامج والمناهج المشار إليها أعلاه، بات من الضروري:
¨     على صعيد البنيات الخدماتية:
لقد أكد البرنامج الاستعجالي ضمن التدابير المعتمدة لإعادة بناء منظومة الإعلام والتوجيه وجعل الإعلام رهن إشارة المتعلمين على ضرورة إحداث وكالة وطنية للإعلام والتوجيه، كمؤسسة عمومية تتولى التنسيق بين مختلف البنيات المؤطرة للمنظومة ونسج روابط بين أطر التوجيه التربوي ومختلف المؤسسات التكوينية والاقتصادية والاجتماعية من أجل الارتقاء بالمنظومة وتطوير خدماتها، وذلك عبر مجموعة من الوسائل والآليات، على رأسها إحداث بوابة وطنية للإعلام والتوجيه كبنية رقمية رسمية وموحدة تمكن المتعلمين من معلومات شاملة ومحينة وذات مصداقية وسهلة الولوج، وتوفر أدوات ناجعة لمساعدة التلاميذ على الحصول على معلومات حول ذواتهم وحول منظومة التربية والتكوين ومختلف المؤسسات الجامعية ومؤسسات تكوين الأطر وتؤهلهم، تحت إشراف أطر التوجيه التربوي للاستعلام واستثمار المعلومات واستعمالها بشكل يستجيب لحاجياتهم وأهدافهم؛
ولتقريب خدمات الإعلام والتوجيه المدرسي والمهني من المتعلمين وعلى الصعيد الجهوي والإقليمي والمحلي، فإنه بات من الضروري تجهيز المراكز الجهوية/الإقليمية وفضاءات الإعلام والمساعدة على التوجيه ومكاتب الإعلام والتوجيه بالأدوات اللازمة حتى تضطلع بالمهام الموكولة إليها؛
¨     وعلى صعيد الموارد البشرية:
حتى تتمكن مختلف البنيات الخدماتية، خصوصا منها الوكالة الوطنية للإعلام والتوجيه والبوابة الوطنية للإعلام والتوجيه والمراكز الجهوية/الإقليمية للإعلام والمساعدة على التوجيه من الاضطلاع بمهامها على أحسن وجه، فإنه بات من الضروري تعيين أطر بها متخصصة في التوجيه التربوي ومؤهلة أكاديميا ومهنيا وتقنيا ومتمكنة من التقنيات الإعلاميائية.
¨     وعلى الصعيد التربوي:
حيث المتعلم يعتبر محور العملية التربوية ومن حقه الاستفادة من الخدمات التربوية والتعليمية فإن الإعلام باعتباره نشاطا تربويا يجب أن يندرج ضمن الأنشطة التربوية اليومية للتلاميذ، تواكب مساراتهم الدراسية والتكوينية وذلك عن طريق دمجها ضمن البرامج والمقررات الدراسية من أجل تحقيق جملة من الأهداف التربوية تتمثل في ما هو معرفي ذي صلة بوسطهم المدرسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي لتمكينهم من نسج علاقات بين خصوصياتهم الشخصية والمحيط الذي ينتمون إليه، كما تتمثل في ما هو عملي يسهم في تنمية مهاراتهم الخاصة بالبحث عن المعلومات التي تستجيب لحاجاتهم وتجيب على مختلف تساؤلاتهم، وتتمثل أخيرا في تحقيق أهادف سلوكية تتجلى في تنمية قدرات التلاميذ على التأمل والملاحظة والتفاعل مع المحيط للحصول على المعلومات شخصيا اعتمادا على مجهوداتهم الفكرية من أجل التعرف على ذواتهم ومحيطهم المدرسي والمهني والجامعي والاقتصادي، وذلك وفق منهجية تتسم بالدقة والوضوح وذات مصداقية وموضوعية حيث المعلومات المحصل عليها حسب الرغبة والحاجة والجهد الذاتي تتلاءم واهتمامات التلاميذ وتطلعاتهم.
وحتى يكون الإعلام المدرسي والمهني أكثر نجاعة ويستجيب لاهتمامات التلاميذ وتطلعاتهم فإنه يجب أن يقدم إليهم على صعيد الحصص الدراسية وذلك منذ المستويات الأولى من التعليم الثانوي في إطار برامج تراعي النمو النفسي والعقلي للمتعلمين وفق طرائق ومناهج هادفة للتربية على الإعلام والاستعلام تتمحور حول المتعلم، وتخضع لإستراتيجية واضحة المعالم تهدف تعريف المتعلمين بذواتهم ومحيطهم المدرسي والمهني.

 نهاري امبارك، مفتش في التوجيه التربوي، مكناس؛

المراجع
¨     الميثاق الوطني للتربية والتكوين، 2000، الرباط؛
¨     البرنامج الاستعجالي 2009-2012، الرباط؛  
¨     المذكرات المنظمة لمجال التوجيه التربوي، 17 و18 و19 فبراير 2010، الرباط؛
¨     الدكتور أحمد أبو سعيد والدكتورة لمياء الهواري، التوجيه التربوي والمهني، الطبعة الأولى 2008، دار الشروق، عمان، الأردن.   

0 commentaires :

إرسال تعليق